ابن العربي

919

أحكام القرآن

ومن أعظم الإشارة بقوله : ولا باليوم الآخر - الإخبار عن النصارى الذين يقولون : إن نعيم الجنة وعذاب النار معان ؛ كالسرور والهم ، وليست صورا ، ولا فيها أكل ولا شرب ، ولا وطء ولا حياة ، ولا مهل « 1 » يشرب ، ولا نار تلظّى . وقوله : وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إخبار عما كانت العرب تفعله من التحريم بعقولها في السائبة والوصيلة والحام ، وما يختص بتحريمه الإناث دون الذكور ، إلى غير ذلك من أقوال الزّور ، وعما « 2 » كانت الرهبان تفعله ، والأحبار من اليهود تبتدعه من تحريم ما أحلّ اللّه في الإنجيل والتوراة ، أو تحليل ما حرّم اللّه عليهم فيه . وقوله : وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ إشارة إلى هذه الجملة من الاعتقاد للحق والعمل بمقتضى الشرع . المسألة الثالثة - قوله تعالى : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ : وفي ذكرهم هاهنا ثلاثة أقوال : الأول - أنهم كانوا أمروا بقتال المشركين ، فأمروا أيضا بقتال أهل الكتاب مع المشركين ؛ لما فيه « 3 » من الحق من ذكر الرسول وغيره ، وكان تخصيصا لما تناوله اللفظ العام على معنى التأكيد . الثاني - أنّ قوله : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ تأكيد للحجة ؛ فإنّ المشركين من عبدة الأوثان لم تكن عندهم مقدمة من التوحيد والنبوة وشريعة الإسلام ، فجاءهم الأمر كله فجأة على جهالة . فأما أهل الكتاب فقد كانوا عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل ، وخصوصا ذكر محمد صلى اللّه عليه وسلم وملّته وأمته ؛ فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة ، وعظمت منهم الجريمة ، فنبّه على محلهم بذلك . الثالث - أنّ تخصيصهم بالذكر إنما كان لأجل قوله تعالى بعد ذلك :

--> ( 1 ) المهل : النحاس المذاب أو القيح والصديد . ( 2 ) في ل : على ما كانت الرهبان تفعله . ( 3 ) في القرطبي : وخص أهل الكتاب بالذكر إكراما لكتابهم ، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل وخصوصا ذكر محمد .